مَرور ذِكرى الثَورة السبَتمبرية كُل عام كان قد بدأ يستحلَ في رَوحي شيئًا مِن البُهتان، شيء لايُخفى أنهُ كان قد توقف عَن تحريك أي شي مِن ومضَت الرَوح. كان مُجرد تاريخ كُتب في نُصوص المناهج المدَرسية، أصبح يومًا عبثي يُفاخر بِه ابناء الوطن بالاناشيد والخُطب ولكِن الحقيقة الواضحة هي أنه لم يُغير شيئًا مِن الواقع اليمني الحالي، كانت الاسألة تجوب فَي لُب عقلي سائله: اي مَعنى لهذا اليوم إذا كان حاضَرنا يُعيد ماضينا، إذا كان الظالم قد تبدلت مُسمياتِه فقط، مالذي قد يدعو للأحتفال بثورة مازالتَ مُنبسطة الجِراح؟
غير أننَي مع مَرور السنوات الأخيرة، أدركتُ ان الذِكرى التَي خَلدها أجدادُنا أعز مِن ان تكونَ رقمًا عابرًا، ولا ان تكَون نشيدًا باهتًا يُعرض في الشاشة لجمهور سائم. هَي الثَورة حَق عليها أن يُذاع صيتها حَتى الخُلود، ذِكرى تقرعُ أجراس كُل المواطنييَن تُعيد لأمجادهِم أن الظُلم مَهما إشتد وتأصل غُرس وزُرع وطغى، مصيرهُ الأبدي ان ينقَضي. السادسُ والعشرين مِن سِبتمبر حققَت آمال أجدادنا الذي أصبحنا نلوذُ أليها بالتَمني الان، وإن عُدنا لواقعنا اليَوم نرى كيف سُلبت مِنا حُريتُنا التي سلمها لنا شُهداء الوطَن، وهُنا يُصبح الإحتفاء بالذِكرى إعلان قَومي بأن التاريخ لم يمُت بعد، والشُعلة التي أوقدها الأحرار ستشتعلَ مِن جديد.
النِظام الطبقَي الجائر | عهد الإمامة
الإمامة في اليمن حولت حياة اليمنيين إلى معاناة طويلة فقد فرضت نظامًا طبقيًا جائرًا جعل (السادة) في مرتبة عليا بينما بقي عامة الناس في ذل وخضوع، وكان حينها التعليم محدودًا ومحصورًا في علوم دينية يحددها النظام الإمامي على هواه مما عزل اليمنيين عن العالم وأبقاهم بتلك الفترة بجهل وفقر فنشأت الصراعات وخلقت الفتن فامتلأت البلاد بالاقتتال الداخلي. لم تهتم الإمامة ببناء دولة ولا بتنمية مجتمع، بل استنزفت جهد الناس لتبقى السلطة قائمة، وتركت خلفها وطنًا مثقلًا بالقهر، محرومًا من أبسط الحقوق. يقول المستشرق الألماني الذي زار اليمن سابقًا:
تولى الإمام يحيى السلطة المطلقة، فمنع الهاتف والماء والمطابع، وضيّق على السيارات حتى لم يكن في البلاد سوى ثلاث، كلها ملكه. أما السفر فكان خروج اليمني منه حلمًا محظورًا، والدخول إليه لا يتم إلا بإذن الإمام شخصيًا.
في التعليم لم تكن هناك مدارس ولا معاهد ولا أفق للعلم الحديث، وفي الصحة ارتفعت المآسي إلى ذروتها، حتى وصفت الطبيبة الفرنسية كلودي فايان أن وفيات الأطفال بلغت أربعين بالمئة في سنتهم الأولى، ونصفهم قبل أن يبلغوا العاشرة.
لم يكتف الطغيان بنهب العمر، بل زجّ بالأطفال والشباب في السجون، فإذا مات أسير أو فرّ، وجب على ذويه أن يأتوا برهينة آخر ليحل محله، وكأن أرواح الناس قطع شطرنج تُحركها يد مستبدٍ غليظة.
لحظة تَوقد الشُعلة
مِن وميضً أنتظرهُ الشعبُ كثيرًا نَبغ الضُباطُ الأحرار بتشكيلاتٍ سرية ورُغم قله تَسليحها وقَوة عدوها، إلا أن إيمانها بقُدرتِها على أن تُشعل الشُعلة التي إنطفأت لقرونٍ طَويلةً كان قد بلغ مابلغهُ إلى عِنانِ السماءِ، تعاضَدوا جميعًا يقودهُم حُلمٌ واحد آملين كُل الآمل أن يكَون الفَجرُ شاهدًا على وِلادة ما حلِموا بِه مُنذُ سِنيين، وفي السادِس والعِشرين مِن سبتمبر دوّى صوت الأحرار في اللَيلِ الخانِق، سقطت الإمامة وسيطرتها على اليَمن الشمالي، سُلبت قصورهم وكُسرت و أَطلِق صراحُ المسجونيين في كنفِ الظالمِ المُستعبد، عَلت الأصواتُ مُبهرجةً سعيدةً ليُعلن الشعب حينها تحَرره مِن الحُكم المَلكي.
شَهيق الحُرية الأول
شمسًا قد سطعَت مُتوهجة على اليمَن لتفتحَ أبوابها التي أوصِدت لأعوام، فإذا بِها تستفيق مِن كُل ماقد قمعها سباقًا، أُزيلت الطبقية بشكلها الأولي فالخادِم الذي كان يعملُ تحت وطئة وخباثة الإمام أصبح لهُ قيمة في الوطن فقط لكونهِ مواطن! ولأولِ مرةً تذوقت اليمن طعم الجَمهورية لتتشكل بعدها ملامِح الدوله بمؤوسساتها ووزارتِها وجيشها ومبادئها، ولم تعد اليمن مَعزولة خلف جُدران الإمامة المُستعبده، وبدأت تُطل على العالمِ وتظهرُ مِن جديد.
الثَورة هَي من اعاد للمواطِن اليمني حقه في العيش كمواطِن حُر هي من أعتدت لهُ كرامتهُ وحقوقهُ المَسلوبة، هي من فتحتَ لهُ نافذة للشهيقِ بعد قرونٍ مِن الاختناقِ، هي من أكدت أن الحُرية لن تأتي طوعًا بل تؤخذُ إنتزاعًا.
الوجهُ الجديد للأمامة ٢٠٢٤-٢٠٢٥
واليوم ها هي الإمامة تعود من جديد، لا بعمامة الأمس فقط، بل بثوبٍ ملوّن يخدع البصر، يرفع شعار الوطن نهارًا ويغرس خنجر السلالة ليلًا. عادت وهي تحمل في قلبها الحقد على سبتمبر، كأنها لم تغفر لليمنيين يومًا أنهم كسروا قيودها وأشعلوا مصابيح الحرية في ليلها الطويل. أُختطفت صنعاء، عروس اليمن، وأحالت شوارعها إلى ثكنات، ومؤسساتها إلى غنائم، وأحلام أهلها إلى رهائن. فجّرت البيوت، وشردت الأسر، وزرعت الموت في الأزقة. لكن السادس والعشرين من سبتمبر يظل شاهدًا حيًا، يصفعها كل عام، ويذكّرها أن دماء الشهداء لم تذهب هدرًا، وأن قيم الجمهورية أعمق من أن تقتلعها ميليشيا، وأسمى من أن تطفئها بندقية. هي مواجهة بين لعنة العصور المظلمة، وبين شمس الحرية التي أشرقت على هذا الشعب، وستشرق ما دام في اليمنيين قلب ينبض بالحياة.
_____________________
أصرخ بصوتك يا بُنيان وارتفع
فالثورة اليوم إشراق على الفلك
أملينَ أن يعوَد سبتمبر مِن جديدً، بعد هذا الليل الطويل، وأن يعود اليمن عصيًا على الانكسار، فإرادتنا نحن اليمنيين أكبر من أي طغيان.
دُمتم سالمين
إنتهى.





