أجلسُ مؤخرًا وبيدي ألبوم صوري الكبير، أُقلب صفحاته ويشدّ انتباهي مشاهد التُقطت في إحدى الرمضانات في صنعاء، أشعر بحرارة تجتاح خافقي وتتوقّد، تصل صدري ثم تنخر حلقي، فإذا بدموعي تتوافد مبللة الصفحات، تغرق البنايات بدموعي ويسيل حبر وجهي من على الصورة، وأخرجها في محاولات فاشلة لأعيد كل ما تبقى لي من ذكرى صنعاء.
أستلقي محتضنةً لها، وأعاود مدّها لأتأملها. كانت تهرب جدتي بي في رمضان إلى بيت عمتي، والسبب الأول كان لكوني طفلة مشاكسة ما تمكث الدقيقة إلا وأنا أريد تجربة كل شيء وصنع كل شيء، وكنت أتحدث معهم أكثر من الطبيعي وأبكي إن لم يتم محاورتي حينها، وكانت عمتي تمتلك بيتًا صغيرًا فيقلّ عمل رمضان حينها، وكان باستطاعتها احتواء جلّ أحاديثي حتى بعد الإفطار.
تقطن عمتي أعلى أحد جبال صنعاء العمالقة، وكنت أذهب مع جدي بالسيارة، وما كنت أصبر حتى يفكر أن يضع السيارة في موقفها، حتى يُفتح بابي وأجري بينما ينادي جدي:
“آلاء! يا بنتي ريّعي..”
كانت آلاء حينها تصعد درج المنزل، تتجاهل كل الأماكن وتقف أمام باب عمّ والدها وتدق الباب بهدوء حتى يُسمح إذن الدخول:
“من؟”
“لوله”
“حيا حيا، جي”
كنت أفتح مكتبه المحيط حوائطه بالكتب، كان يجلس على مكتب عملاق يُقلب بيديه صفحات جريدة بنية اللون. حالما دخلت خلع نظارته واستقام مبتسمًا مادًا يديه ليرفعني، احتضنني بينما أسأله عن بيت الحيوانات الذي لديه:
“حاضر يا بابا، ذلحين نطلع”.
كان السطح مليئًا بالأرانب والبط والدجاج، كان لديه ببغاء وعصافير وكتاكيت صغيرة. كنت أحتضن كل واحد منهم على حدة، وأسمع صوت عمتي تناديني من الطابق السفلي، فأجري منطلقة حتى أصل لنصف الدرجات وأهدد مبتسمة، وتصيح عمتي:
“لولي لا لا”
“شنبع”
“لول..”
وأصل لحضنها وأقبلها مبتسمة، ويحتويني معها عناق طويل أخبرها فيه عن الأرانب والبط.
ينتهي النهار بعد أن خرجت للمكتبة مع زوج عمتي لشراء ألوان لتلوين كوب الفخار الذي صنعته عمتي سابقًا، وأقضي تلوينه في المطبخ تحت إشرافها المشغول جدًا، والذي يضايق لولي للغاية، فكل الاهتمام يلزم أن يُصب عليها وحدها.
وأغادر منزل عمتي بيد والد زوجها — عمّ والدي — ونتجاهل السيارة مستمتعين بمنظر شعاع الغروب المنصبّ على أعمدة المنازل الحنونة على طريقة صنعاء. تعمّ الشوارع رائحة بخور الجاوي وتبدو متنوعة من عدة روائح من كل منزل، إلا أنها تبدو متحدة بشكل دافئ. وأمامي وخلفي وعلى كل جوانب الشارع كانت موائد الصائمين تُفرش، وستبدو غريبة لمن يراها، فكل الأطباق مختلفة، لم يتقدم أحد بالإفطار بل كان الجميع مشاركًا في السُفر.
أمشي كثيرًا حتى أصل لأسفل نقطة في الجبل وأتنهد مخبرة عمو أني تعبت، فيوقف إحدى الباصات ونصعد إلى بيتي.
بعد وداع حنون، أفتح الباب الكبير وأجد أمامي أحد حراس جدو، ولا يسعني الوقت لأرد على ابتسامته، فأنا هنا أجري من جديد ولا أستطيع الانتظار لأخبر أمي عن كل ما حدث. إلى حضن ماما مرحبةً بـ:
“حيا بروحي حيا”
ثم لحضن بابا ويخبرني أن أنتظر ويخرج من الدرج مطبوعات جديدة لمجلة ماجد وفُلّة التي ما زلت صغيرة جدًا على قراءتها. أفتح غرفة الطعام ويغرق وجهي في هواء البخور الممزوج برائحة الطعام، وأجلس على الكرسي بجانب جدو وأبدأ في فقرة النداءات ليتجمع الجميع، ولأن عادة بيتنا تتصف أن لا كلام على الطعام، كنت — وما زلت — المتحدث الوحيد أنا وجدو على السفرة.
وبطريقة أو بأخرى، كل هذا لم يعد ليُعاش في صنعاء، ولأنه قد يُعاش في مكان غير صنعاء فهو قطعًا لن يُعاش.
رسالة إلى صنعاء
أفتقدك، أفتقد حلّتك الأولى، وأفكر كثيرًا: هل سيكون لي نصيب عيش ذات الذكريات مرة أخرى، أم أن الأمر محتوم بأن أعود لك وأنا أرجف؟
لم أعهد هذه المشاعر بحضرتك يا حلوتي، ولذا صدمتي الأخيرة كانت لاذعة للحد الذي أرهب جسدي قبل روحي أن يعود إليك مجددًا. لم تفقدي حلّتك الحنونة، لكن وجوه الطغيان غطوكِ بغمامة لا يقوى قلبي على تحملها. وأتساءل أحيانًا: هل خُبّأ حنَانُكِ أم قُتل؟
ففي تخبأته شيء من المستحيلات، وفي حنانك شيء من الشعاعات السرمدية غير المنتهية.
لكن هل قتلوه؟
لا أقوى على التفكير هكذا، لا أقوى البتة، فبقتله .سأُقتل





يالله أحب صنعاء جدا تحديدا القديمة ماقد زرتها كوني في حضرموت وبسبب الطريق لكن مرة في ثالث ثانوي خذينا درس قراءة عن صنعاء القديمة وكان صاحبها عبدالعزيز المقالح رحمة الله عليه صاحب قصيدة الخوف عار الصمت عار -من أحب القصائد النثرية إلي - حُب كبير و حنون لصنعاء القديمة و أهل صنعاء لحلوّة لسانهم وطيب أخلاقهم 💕💕💕💕💕💕💕!
تسمحي لي بإعادة نشر المقال؟
Beautiful