نشأت في عائلة تمجد أسماء القادة العرب، فأبي نفسه ملقب بجمال عبد الناصر، وصغار الأسرة أخذوا نصيبهم من هذه الأسماء. ومع حكايات البطولات لهؤلاء الأشخاص، فهمت مؤخرًا أن اسمي حين يصبح ثلاثيًا يحمل شيئًا من القداسة. وكنت أسألهم: ما الذي صنعوه؟ ولم كل هذا التمجيد المهيب لهم؟ كانت الإجابات تأتي بحماس بالغ عن القادة الذين أعادوا أمجاد العرب بعد سنين طويلة من الاستعمار، رجال حاربوا مع القضية الفلسطينية بكل عتادهم، ورفعوا اقتصاد البلدان العربية، وجعلوها تتمدد بسيادة قوية. وقد استقبلت هذه الأفكار في طفولتي كحقيقة حتمية. غير أنني، منذ فترة ليست ببعيدة، قررت التجرد مما ورثته من أفكار عن القادة العرب، وبدأت سلسلة بحثي الممتدة لعامين، بالقراءة والاستماع لطرفي الموضوع. وكانت بدايتي من تسجيل اجتماع قاعة الخلد عام 1979، الذي بدا في البداية عاديًا، ولكن ما وراءه كان مشينًا للعقل أن يتخيله حتى. ومع توسعي، انقشعت ستارة عملاقة من القداسة لأشخاص سقطوا بكل هذه البساطة من أمامي. وحينها فقط أدركت أن الشعب العربي تم قمعه والسيطرة عليه إلى الحد الذي جعله يمجد مجرمين كهؤلاء.
كيف يصبح القائد رمزًا خالدًا وهو مجرم؟ هل وصل بنا الحال إلى تمجيد من يحللون دماء الشعوب؟ كيف يتم التبرير لقضايا الاغتصاب، والزواج القسري، والاتجار بالنساء؟ يكتب التاريخ عن سجون سياسية، واضطهادات ضد الأطفال والنساء والمظلومين، وإعدامات لا نهائية بلا محاكمات عادلة، واختفاءات قسرية، وتعذيب في الزنازين حتى يصبح الإنسان مجرد رقم، خطابات لا معنى لها سوى تغذية روح المستبد بالهتافات والتمجيد، وتحويل الجماهير إلى آلة تصفيق. وتم انتقادي سابقًا بأني أتجاهل كل ما صنعوه من إنجازات، لكن المشكلة لم تكن يومًا في الاعتراف بما حققوه، بل في تحويل تلك الإنجازات إلى مبرر يمحى به تاريخ جرائمهم. كيف قد يصل بي الحال إلى تقديس قاتل أو مجرم أو حتى مغتصب؟ لا تعنيني البنية التحتية، ولا الاقتصاد النامي، ولا السيادة القومية للعرب، في حين أن الشعب لا يستطيع المطالبة بما يريد، وإن فعل فهو يسجن ويعذب بأشنع الطرق. ولن نستفيد من ارتفاع مستوى البترول في حين أن مجزرة قتل فيها العشرات بدم بارد قد انتهت للتو.
ولذا، ما قيمة السيادة حين يصبح الشعب نفسه مهددًا داخل وطنه؟
وإلى متى سيبقى العرب يمجدون الطغاة؟


