في زمن أصبحت فيه دُول العالم الأول تتسابق نحو الذكاء الاصطناعي، البحوث العلمية، واستكشاف عوالم أُخرى في الفضاء، ما زال مِن الغريب أن يبقى سؤال تعليم المرأة حاضرًا في مُجتمعاتنا كقضية جدلية لم تُحسم لصالح الجميع بعد. الأعقد مِن هذا أن أزمة التعليم لم تعُد تقتصرُ على النساء وحدهن، إن ضعف إيرادات التعليم الأكاديمي والبحثي في الدول العربية ما زال ضعيفًا بطريقة غير معهودة عليهم، تمددت المشكلة لتطال المجتمع كله؛ فضُعف القراءة وغياب البحث والتراجع العلمي أصبحت ظواهر منتشرة بيننا، مما سمح لثغرات مثل انتشار أفكار جاهلة سبق وقُمعت أن تعود لحلقة المجتمعات لتُطرح من جديد.
ومع ذلك يبقى الحديث عن تعليم النساء في الأوطان العربية مختلفًا، لِمَ ما زالت تواجه النساء في المجتمعات النائية والجاهلة، فالعالم العربي شهد مؤخرًا دولًا عربية تُحرز تقدمًا واضحًا بازدياد تعليم النساء، بينما ما تزال دول أُخرى تواجه تحديات كبيرة بسبب الفقر والصراعات وضعف البنية التعليمية.
* إستخدامي لمصطلح التعليم لا أقصد به الشهادة الأكاديمية وحدها، ولا سنوات الدراسة فحسب، أقصد كل المعرفة التي تنمي العقل، وتُهذّب الفكر، وتُعين الإنسان على فهم دينه، وإدراك واقعه، واتخاذ قراراته، والإسهام في بناء مجتمعه، فالشهادة وحده إحدى صور التعليم، لكنها ليست التعليم كله.
تبدأُ المُشكلة مِن مُعتقداتٍ تاريخيةٍ قديمة، شكَّلت الصورة النمطية عن المرأة المُتعلمة:
مُهملة للمنزل، متمردة، تسعى للخروج، وغالبًا مُعارضة.
ما زالت الكثيرُ مِن المجتمعات تنظر إلى تعليم المرأة بوصفهِ خيارًا شخصيًا للحصول على شهادة أو وظيفة، غافلةً عن كونهِ استثمارًا طويل الأمَد يمتدُ منها إلى المُجتمعِ كاملًا. وما زالت الصورة السائدة في الاعتقاد بأن الرجُل لهُ الأولويةُ الكاملة بالتعليم لأنه موكل بالنفقة والعمل وإعالة أُسرته، وتبقى الدراسات الثانوية هي القدر الكافي للمرأة لإعانتها على الزواج والعيش، ورُغم أن هذِه التصورات اختلفت مِن ثقافاتٍ ومجتمعات، لكنهُ سمح لهُم بإصدار قاعدة عامة: تعليمُ المرأة لا يهُم بقدر أهمية تعلُّم الرجُل.
تحليلًا للمُشكلة ذاتها، هي رؤية المجتمعات أن التعليم يقتصرُ على شهادة ووظيفة يومية بدوام تسع ساعات خارج المنزل - وهي فكرة خاطئة تمامًا -
وعلى الرُغم مِن أن مُشكلة التعليم بدأت تُحل وتتجاوز هذِه القاعدة وتبعاتها مِن التصورات، إلا أن الآثار ما زالتُ واضحة بشكلٍ لا يمكن تجاهُله، وضوحًا في ضعف الاستثمار في تعليم النِساء، إلى التقليل مِن طموحاتِهن التعليمية والأكاديمية، تقديم أولويات المنزل كالطبخ والتنظيف كمهام واجبة دون التعليم، مِما أدى إلى رؤية التعليم كخيارٍ ثانٍ يُمكن الاستغناء عنهُ في أقربِ فرصة.
ومِن هُنا نخرجُ بالسؤال الجوهري الذي يحاول المقال هذا الخروج بإجابةٍ لهُ: ماذا يخسرُ المجتمع حين ينظُر للنساء بهذِه الطريقة؟ وماذا يُمكن أن يكسب إن أدرك أن تعليم النِساء قادر على تغيير الجيل بأكملهِ؟
الإسلام وتعليم المرأة
لا يخفى على أي مُسلم أن في القرآن والحديث الكثير مِما يُقدَّسُ فيهِ العِلم والسعيُ فيهِ وبشتى مجالاتِه. وسبق وتناقشتُ حول موضوع العلم المُراد حثُّه في الإسلام، فالتفسيرُ والمنطقُ لا يُرجحان أن يتعلم المُسلم أمور دينهِ دون الباقي! عِلمًا أن في القُرآن مناهجَ علميةً واجتماعيةً ورؤى نفسيةً وفلسفيةً، وكُلها لا تُعد ولا تُحصى، لكن أن يحصر الإنسانُ نفسهُ في علوم الدين المُنزلة دونًا عن باقي العلوم الحديثة، فهو هُنا لا يظلمُ إلا نفسهُ، ومِن هُنا تتكون ثغرات العلوم، فالواضحُ وللأسف أن مجتمعاتنا الإسلامية لم تعُد تأخذ القُرآن ككتابٍ مرجعي للمشاكل العملية والحلول والأحكام، والغالب أنهُ أصبح كِتابًا روحانيًا مُقدسًا لجلب الحسنات والحظ، ولا خِلاف في هذِه الرؤية، لكنها تحصرُ علوم القرآن الواسعة، وكما يُسترسل في الكلام أن الحديث وسيرة الأنبياء والصحابة لقيت حتفها بأن أصبحت قصصًا تاريخيةً تخلو مِن الرؤية الموضوعية المتفرعة لإدراك المعنى العظيم لذكر هذا الحدث في كِتاب الله أو في سيرة رسولهِ.
ولذا إن طلب العِلم مُتفرعٌ محدوديةً طويلُ البحثية.
وأجدُ في هذا الحديثِ النبوي ما سبق وتحدثتُ عنه في المقدمة: “إهمال تعليم النِساء”.
قالتِ النِّساءُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: غَلَبَنا عليك الرِّجالُ، فاجعَلْ لَنا يَومًا مِن نَفسِكَ، فوعَدَهنَّ يَومًا لَقيَهنَّ فيه، فوعَظَهنَّ وأمَرَهنَّ، فكان فيما قال لهنَّ: ما مِنكُنَّ امرَأةٌ تُقدِّمُ ثَلاثةً مِن ولَدِها إلَّا كان لَها حِجابًا مِنَ النَّارِ، فقالتِ امرَأةٌ: واثنَتَينِ؟ فقال: واثنَتَينِ.
والمُستبين أن الرسول كان قد وعظهن ووعدهن بخصوص أبنائهن، لكن المُراد من طرح هذا الحديث أن الإسلام اهتم بتعليمِ المرأة، والأحاديث وقصص السيرة تطول. ذاهبًا للسيدة عائشة، رواية أكثر مِن ألفيِّ حديث، مُصححةً لمسائل علمية للصحابة، وكان يُرجع إليها في مسائل فقهية، الشفاء بنت عبدالله، والية الحسابات والرقابة في السوق في عهد عُمر بن الخطاب، فاطمة الفهرية، مؤسسة أول جامعة على وجهِ الأرض، زينب بنت الكمال، وكريمة المروزية، وقائمة النِساء في العالم الإسلامي تطول!
الأثر النفسي والأجتماعي
أولًا: الأثرُ النفسي على المرأة
التعليم يُحسب بالإنجاز ويُسحب بالشعور بالكفاءة والثقة بالنفس، ويكون روابط للتفكير النقدي والقدرة على اتخاذ القرارات المنطقية الصحيحة، لذا تكون المرأة المُتعلمة أقل عرضًا للشعور بالعجز في مواجهة تحديات الحياة اليومية، وتستطيع تطوير ذكائها الانفعالي بتنمية مهارات الحوار وضبط الانفعال والتفكير قبل الرد، تُشير الدراسات أن الأمهات المُتعلمات تُخفف عليهن آثار الضغوط والمشاعر السلبية، ويصبحن واعيات بشكل أكبر بأهمية صحتهن النفسية لذواتهن ولِمن حولهن، ولذا كيف ينعكس هذا على علاقاتها العائلية؟
ثانيًا: أثرهُ على الزوج
تُصبح جودة الحوار بينهما عالية الجودة، تصحبها المودة والاحترام، تستطيع المرأة المشاركة في اتخاذ قرارات أُسرية مادية اجتماعية وحتى عملية؛ لكونها تفهم ما يُحيطها! فهم أفضل للتربية والمال والصحة، مرونة في تجاوز خلافات الحوار وغيره، لتتحول حينها العلاقة إلى شراكة حقيقية بين طرفين متساويين فكريًا، متفاهمين وممتلئين نفسيًا وعقليًا.
ثالثًا: أثرهُ على الأطفال
تُثبت هنا دراستان عن ارتفاع التحصيل الدراسي للأطفال الذين يمتلكون أمهات مُتعلمات، وتتفرع الدراسة الأولى بأن الصحة النفسية للأطفال كانت ترتفع معدلاتها مع الأمهات اللاتي حصلن على مستويات تعليمية عالية.
“تستخدم هذه الدراسة البيانات الطولية لمشروع “حياة الشباب في بيرو” للتحقق من الدور الوقائي الذي يلعبه تعليم الأمهات في حماية الأطفال الذين تعاني أمهاتهم من مشكلات الصحة النفسية. تؤكد نتائجنا الأولية الأبحاث السابقة في هذا المجال، إذ تُظهر أن تعليم الأمهات يرتبط بانخفاض خطر إصابة الأمهات بمشكلات الصحة النفسية، وتحسن التغذية والنمو المعرفي لأطفالهن. كما وجدنا أن تعليم الأمهات يُخفف من أثر مشكلات الصحة النفسية للأمهات على نمو الطفل، لا سيما أطفال الأمهات ذوات المستويات التعليمية العالية. مع الأسف، بالنسبة لأطفال الأمهات ذوات المستويات التعليمية المنخفضة، تستمر مشكلات الصحة النفسية للأمهات في التنبؤ بسوء التغذية وضعف النمو المعرفي لدى الأطفال. تشير هذه النتائج إلى أن المتابعة والدعم قد يكونان في غاية الأهمية للأمهات ذوات المستويات التعليمية المنخفضة، إذا ما أُريد الحد من التفاوتات بين الأجيال.”
رابعًا: أثرهُ على المُجتمع
لأن النساء هن من يُخرج للعالم علماءه، مفكريه، ومبدعيه، تكبر دائرة تأثير المرأة على أطفال متعلمين إلى أُسر واعية، ثم مجتمع أكثر إنتاجية، وتليها اقتصاد أقوى وعلوم أرقى، مجتمع أوعى، ثم أخيرًا نهضات عالمية عظيمة.
لماذا لاتزال بعض المُجتمعات لا تُعطي تعليم المرأة الأولوية؟
مازال البعض يخشى ان يؤدي التعلين والطموح العلمي على إهمال الأسرة والزواج او التقليل من قيمة الأُمومة، وهي موجودة بغالب المُجتمعات لكن من غير المنطقي أن يُنظر للتعليم على أنهُ نقيض الأمومة اصلًا. وكما قُلت سابقًا الموضوع طويل ومتفرع ولذا خصصتُ المقال الثالث مِن السلسلة لمُناقشة هذِه الإشكالية. اما بقية المخاوف تنحصر في موروثات إجتماعية وتصورات مَشوهه سبق ووضحتها في المحاور الأولى.
إذًا هل ينتهي الحديث عن أهمية تعليم النِساء عند حصولهن على شهادات؟ في الحقيقة هو يبدأ هُنا، التعليم وحده لن يصنع أوراقًا وألقابًا فقط، يخلقُ بعدها عقلًا قادرًا على الاختيار، قلبًا واعيًا، وإنسانًا يُدرك رسالته في المُجتمع.
وليس السؤال الذي علينا طرحهُ الآن: هل ينبغي أن تتعلم المرأة؟ سبق وردت الشريعة، وشهدت صفحات تاريخنا، وأُثبتت النتائج على واقعنا، علينا الآن طرح سؤال سبق وفرض نفسه: ماذا بعدها؟
هل سيكون علم النِساء حبيس أوراقهن؟ أم عليهِ أن يتحول لشُعلة متوقدة تُلامس مُجتمعها وتضعُ أثرًا يلامس من حولها، ويخدم أمتها. وهل عمل المرأة امتداد طبيعي لعلمها؟ أم أن له ضوابط وأهدافًا ورسالة تختلف عما يُروَّج له اليوم؟
هذا ما سأكون سعيدة بمناقشته في المقال القادم: لماذا تعمل المرأة؟ وكيف يمكن أن يكون العمل رسالة تبني المجتمع دون أن يتحول لعبءٍ يسلب ذاتها ويصدم أولوياتها.
المقالة الأولى مِن سلسلة مقالات: لأنها إنسان
سلسلة مكونة من خمس مقالات تسعى إلى إعادة طرح قضايا المرأة من زاوية فكرية أعمق، بعيدًا عن الجدل السطحي نحو فهم أثرها الحقيقي في بناء المجتمع.





