أُسقِط جسده المُتهالك على مقعد الحافلة التي يعمّها هدوءٌ غير معتاد. يُكابد مشاعر تتجلّى في روحه، لا يجد لها تفسيرًا ولا معنى، ولا يفهم من ضجيجها إلا أنها تُثقله. يعود إليه مشهد والديه، توبيخٌ قاسٍ، ونظرة احتقار لنفسه بسبب ثلاث قطراتٍ فقط غادرت عينيه، احتقار والده لدموعه حينها كان كافيًا ليدفعه إلى مغادرة المنزل فورًا. والآن، وبينما يُصارع جلد الذات، يحمل همّ عودتهو التنازل من جديد عن التعبير.
هل كان الرجل العربي القديم بلا مشاعر؟
عودةً إلى الماضي، نجد أن الرجل العربي لم يُختزل في الصورة التي نراها اليوم: “الصلابة دون مشاعر”، بل كان هناك شكل من أشكال التوازن الإنساني؛ صلابةٌ وتعبير، دون فصلٍ حاد بينهما.
لم تكن مشاعر الرجال في التراث العربي عيبًا يُخفى، بل كان أغلبها يُعلن بشتى اللغات. وعلى سبيل المثال، أقدم ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي احتوى على عدة قصائد تحمل مشاعر الحب والشوق والحنين والفقد وحتى الانكسار، مع حضور واضح لمعاني الفخر.
تأملًا في سيرة الفارس المغوار عنترة بن شداد، الذي لم يتردد في التعبير عن حبه لـ عبلة، حيث صرّح به علنًا دون أن يرى في ذلك انتقاصًا من رجولته. وكذلك قيس بن الملوح الذي كاد اسمه يُنسى لولا لقبه “مجنون ليلى”، بعدما أفنى حياته حبًا لها حتى غدا رمزًا للعاطفة المتطرفة.
لم تكن هذه نماذج شاذة، بل كانت امتدادًا واضحًا لثقافةٍ تسمح بالتعبير عن المشاعر دون أن تشكّل تهديدًا لهوية الرجل أو مكانته.
ومع ذلك، لم يكن المجتمع القديم مثاليًا أو منفتحًا بالكامل؛ إذ كانت لا تزال تسود مفاهيم الجلد والصبر، وكانت الرجولة تُقاس بقدرة الرجل على التحمّل، لكن مع إمكانية التعبير في الوقت ذاته.
إعادة تشكيل صورة الرجل
وفي القرن العشرين، ومع التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة، وصعود مفاهيم “الرجولة الصلبة” المرتبطة بالإنتاج والعمل والسلطة، أصبح الرجل يُختزل في مفهوم جديد ضمن أدواره المتوقعة: مُعيل، مُنتج، ثابت، لا يتزعزع.
وبالطبع، مع العولمة ومواقع التواصل ووسائل الإعلام، تمت إعادة تشكيل صورته بشكل أكثر تناقضًا وقسوة. ومن هنا خرج لدينا نموذجين حُوصِر بينهما الرجل:
نموذج قديم يُطالبه بالكتمان والتحمّل، ونموذج حديث يطالبه بالوعي العاطفي والتعبير، لكن دون فقدان “الهيبة”.
ومع أن قواعد الماضي كانت تُشبه الحاضر في بعض جوانبها، إلا أنها كانت تُتيح له التعبير بطريقته الخاصة، بينما اليوم تبدو القواعد أكثر تناقضًا وصعوبة في التوازن.
كن صلبًا باردًا لكن لا تكن قاسيًا،
كن حنونًا متفهمًا دون أن تكون عاطفيًا أكثر من اللازم،
تحمّل واصبر، وفي ذات الوقت ابكِ وافتح قلبك،
تذبذبٌ مستمر يخلق حالة من الارتباك والحذر العاطفي.
كيف تبدأ عقدة التعبير عند الذكر؟
بداية العُقدة
منطقيًا لم يُخلق الذكر وهو مُدركٌ أنه عليه إخفاء ما يشعر به، بل الحقيقة المعلومة أنه لُقّن ذلك بالتدريج، عبر طرق قد لا تبدو قاسيةً في لحظتها، لكنها بطريقةٍ أو بأخرى تراكمت بشكلٍ سلبي.
أولًا: التربية المستدامة
“أنت رجال لا تبكي”
جملة بسيطة تُقال غالبًا لغرض التربية، لكن على مستوى عقل طفلٍ لا يزال في طور التكوين، لا تُفهم كدرسٍ للصبر، بل كإشارةٍ مبكرة جدًا لمفهوم: أن البكاء غير مقبول.
ومع تكرارها، يتعلم الطفل إيقاف دموعه، في حين أن إظهار ما يشعر به ليس آمنًا دائمًا.
ثانيًا: تجارب تعبير فاشلة
في عدة مواقف صغيرة للمشاعر؛ حزن، انزعاج، أو لحظات ضعف، حين يحاول الطفل التعبير أو الشرح أو حتى الكلام بطريقة بسيطة، لا يتم احتواء مشاعره بالشكل الصحيح.
يتم غالبًا التهوين من الأمر، أو تغييره، أو في أسوأ الحالات انتقاده.
وهنا يتلقّى الطفل فكرة أن مشاعره غير مرحّب بها، أو أنها لا تُؤخذ بجدية، ومن هنا تبدأ أول مراحل الكتمان.
ثالثًا: إعادة تعريف الرجولة من قبل المجتمع
مع توسّع المحيط، تصبح الرسائل مُرسلة إلى الذهن من خارج المنزل أيضًا؛ المدرسة، الأصدقاء، وبيئة الشخص عمومًا.
تتشكل صورة نمطية ذهنية ثابتة: “الرجل الذي يشعر كثيرًا، أقل قبولًا”.
ومن هذه العوامل تنشأ العقدة، حين يبدأ ربط الشعور بالخطر في حزمة واحدة؛ يصبح من الخطر أن يُفهم الرجل خطأ، وخطر أن يُرفض، وحتى سوء التقدير يُصبح خطرًا.
ومن خلال هذه الحلقة تتشكل معادلة:
التعبير = احتمال الأذى
ويتحول الكتمان من قرارٍ واعٍ إلى رد فعل تلقائي للحماية، ويصبح سلوكًا متكررًا حتى يندمج مع جزء واضح من الشخصية الظاهرة.
أثر الكتمان على الرجُل ومن حوله
يتحوّل الكِتمان من مشاعر داخلية إلى واقعٍ يؤثر على الرجل بذاته، ويبدأ بعيش حالات ضغطٍ مستمرة حتى في لحظات الراحة الظاهرة. والمشاعر التي تم كتمها هي في حقيقتها لا تختفي، لكنها تجد طريقًا آخر للخروج.
الحزن يتحول إلى غضبٍ سريع الظهور، والاحتياج قد يتحول إلى برود. ومع هذا كله، لم تعد صعوبة التعبير هي المعضلة الأولى، بل في سوء فهم الرجل لنفسه؛ فلا يُدرك ما يشعر به ولِمَ يشعر به أصلًا.
وحينها تنعكس المرآة على ضحية التربية الفاشلة “الأنثى والأبناء”.
تتشكل مسافة غير مرئية، وقد يكون الرجل حاضرًا مسؤولًا ويؤدي أدوارًا مهمة، لكنه يصبح سريع الانفعال، لا يتحمل التفاهم، ومحمل بردود أفعال عصبية قد تصل أحيانًا إلى العنف بدلًا من الحوار.
ومع هذا كله، تعيش الأنثى صراع أفكار مع مشاعر الرجل الحالية، ولن تفهم متى يكون متعبًا، وما الذي قد يزعجه، أو ما يحتاجه، لأنه ببساطة لن يشرح أو يعبّر. وحلقة الجيل القادم الجديدة تبدأ بالتشكل مع أول طفلٍ ذكر لا يفهم والده عاطفيًا، ويتعلم أن المشاعر تُخفى ولا تُناقش.
والأمر لا يقف هنا، بل يمتد حتى إلى علاقته بوالديه وعائلته وأصدقائه.
هل المشكلة في الرجل، أم في البيئة التي شكّلته؟
السؤال هنا من الغبي ان يكون بحثًا على طرف واحد يتحمّل كل شيء،
او ان يتحول لمحاولة لتبرئة أحد بشكل كامل.
الحقيقة في مثل هذه القضايا النفسية والاجتماعية تأتي في مساحة رمادية يصعب اختزالها.
نعم، الرجل مسؤول عن طريقة تعبيره، وعن وعيه بمشاعره، وعن سلوكه في لحظات الضغط والانفعال. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الرجل لم ينشأ في فراغ. هو نتاج بيئة طويلة المدى، تراكمت فيها رسائل واضحة ومستمرة:
التعبير الزائد ضعف،
البكاء غير مقبول،
والصمت أكثر أمانًا من الصراحة.
ومن هنا، علينا تدارك أن بيئة مجتمعنا لم تخلق هذا النموذج في يومٍ واحد،
بل أعادت إنتاجه عبر التربية، والمدرسة، والمجتمع، وحتى في المحادثات اليومية التي قد تُصنَّف أحيانًا مبتذلة. لهذا، تحميل الرجل وحده المسؤولية الكاملة يتجاهل كل الطبقات التي شكّلته قبل أن يصبح واعيًا لنفسه أصلًا. وفي المقابل، إعفاؤه بالكامل من المسؤولية يتجاهل قدرته الحالية على الفهم والتغيير.
لذلك، الصورة الأدق ليست: “من المخطئ؟”
بل: “كيف وصلنا إلى هذا الشكل؟”
وكيف يمكن تفكيك هذا النمط ومنع هذه الحلقات من التجدد والتكرر، لبناء جيلٍ قادم أقل انغلاقًا على نفسه وأكثر فهمًا لمشاعره.
مرحلة التحول وكيفيه التعامل مع الكتمان
أخيرًا، يمكننا طرح فكرة إقبال العلوم النفسية والاجتماعية على مجتمعاتنا الآن، ولذا بدأ التغيّر الحقيقي يظهر ولو بشكلٍ قليل. أصبح الوعي بالصحة النفسية أكبر، وتم توضيح مرارًا أن المشاعر والتعبير عنها لا تُصنَّف كضعف، بل هي جزء أساسي من تكوين إنسانية الإنسان.
ومع هذا، فإن هذا الوعي لا يكفي ليكون فكرة عامة، بل يحتاج إلى تحوّل بيئي حقيقي. لذا كل ما يحتاجه الرجل اليوم هو مساحة آمنة للتعبير، دون محاسبة فيها من التقليل أو السخرية، بل تُقابل بالاحتواء. ويحتاج أن يتم قبوله بدل أن يُحكم عليه سريعًا، وأن يُسمح له أن يكون متعبًا، مرتبكًا، حساسًا أحيانًا، دون أن تُختزل قيمته في تلك اللحظة. ويحتاج أيضًا أن يعيد تعريف معنى “الرجولة”، لأن التعريف القديم لم يعد قادرًا على احتواء الواقع الإنساني الكامل. وأخيرًا—والأهم—الرجل بحاجة إلى تعلّم لغة المشاعر والتعبير عنها.
خِتامًا
تحت هذا البرود، يقف في الحقيقة صراعٌ صامت بين افعل ولا تفعل، وبين زوايا الماضي تتراكم تجارب وتربية ورسائل متكررة، شكّلت في النهاية طريقة نجاة خوفًا من التعبير. لهذا، معالجة هذا الأثر لا تبدأ من الآخرين، بل من إدراك ما بداخلنا نحن أولًا.
إن كانت مشاعركم ما تزال مكبوتة حتى اليوم، فالتفهم والوعي بها هو البداية.
وإن كنتم في موقع التأثير أو التربية، فانتبهوا لما يُزرع دون قصد في الجيل القادم،
حتى لا تتكرر نفس الدائرة بصيغ مختلفة، اسمحوا لهم بإطلاق العِنان لمشاعرهم.



موضوع جميل كنت هكتب عنه ، الرجالة مثيرين للشفقه غالبا .
دائما ماافكر في هذا الموضوع ،واشعر بالأسى تجاه الرجال
يعجبني كيف الرجل العربي القديم يعبر عن مشاعره من غير حرج ،صدق عواطفهم اكثر شيء يعجبني فيهم
مقالك ابداع صراحة 🤍