معَ شروق الشمس في ضواحي المدينة المنورة، يدخُل الناس إلى الأسواق، البعضُ يرتب بضاعاته ويبدأ المُشترون بالتنقُل بين الدكاكين. وبين هذَا المشهد اليومي، تقفُ امرأة عظيمة في مقدمة السوق، وتبدأ بعدها بمُراقبة وتتبع المُعاملات، تمنع الغش وتُقيم السوق بعدلٍ واجب. هذِه الشِفاء بنت عبد الله، مَن ولاها عُمر بن الخطاب رضي اللهُ عنه نظام الحِسبة في سوق المدينة في عهده. ويُقال إن عمر بن الخطاب كان يُجل الشفاء ويقدرها، بل وينظر إلى رأيها في مسائل كثيرة، وجعلها تفصل بين الناس في قضاياهم التجارية والمالية. وعودة إلى سيرة الشِفاء، فاسمُها كان لقبًا لُقبت به لكونها طبيبة ماهرة، وكان الرسول ﷺ قد أقطع لها بيتًا، وما لبث أن تحول البيت الذي أقطعه الرسول للشفاء في المدينة إلى مركز علمي تؤمه نساء المسلمين، يتعلمن فيه القراءة والكتابة، كما هو شأن ابنة عمر بن الخطاب وزوجة الرسول، حفصة. فجرى وصف الشِفاء بأول قاضية ومُعلمة في الإسلام.واليوم، وبعد أكثر مِن أربعة عشر قرنًا، تُعيد مُجتمعاتنا طرح سؤال يتصف باللامنطقية متى ما نظرنا إليه عبر التاريخ: “لماذا تعمل النِساء؟ ولِمَ؟”لم تكُن هذِه الأسئلة متوافرة في مجتمعات الجاهلية ولا الإسلامية، ولذا يبدو من الغريب أن عمل المرأة أصبح في بعض المجتمعات العربية قضية خلافية. هل المشكلة في ديننا نفسه؟ أم أنها مُشكلة عويصة نشأت حين اختلطت الأعراف بالنصوص الدِينية، وأصبح من الصعب فصلُهما؟
عمل المرأة ليس اختراعًا حديثًا روجت له الرأسمالية
عودةً إلى تاريخ النِساء في العمل، لم يكُن الرجال وحدهم من يعمل حينها. فالأفكار التي أصبحت سائدة ومُنتشرة، أن المرأة كانت تلزم البيت في حين أن الرجال يصيدون، لا تؤيدها الأدلة التاريخية. فقد راجعت دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة PLOS ONE بيانات عشرات مجتمعات الصيد والجمع، ووجدت من خلالها أن النِساء شاركن في الصيد في عددٍ كبيرٍ من عدة مجتمعات. ولذا، فإن الفكرة الشائعة التي تجعل الصيد والعمل عملًا ذكوريًا خالصًا لا تدعمها الأدلة التاريخية على الإطلاق. فمنذ خُلقت البشرية، كان للنساء دور كبير في الأعمال المجتمعية بوصفهن يشكلن نصف المجتمع في الجماعات والقبائل. لم يكن وجودهن مقتصرًا على رعاية الأطفال كما تُصور بعض السرديات الحديثة، بل شاركن في إنتاج الغذاء، وجمع النباتات، والزراعة، وصناعة الأدوات، وتربية الحيوانات. ولم يقتصر دورهن على ذلك، بل امتد مع تطور المجتمعات إلى التجارة في مراحل لاحقة من التاريخ. ولذا، فإن أعمال النِساء لم تبدأ مع بداية الثورة الصناعية أو مع صعود الرأسمالية، بل مع تطور المُجتمعات ظهرت الزِراعة المنظمة، والأسواق التجارية الكبيرة، إضافةً إلى الحكومات الاقتصادية والوزارات التجارية والأمنية، وتحولت النِساء، كما تحول الرجال، ليصبحن جزءًا من النشاط المُجتمعي الجديد. ولذا، لم تكُن النِساء منذ البداية محرومات أو ممنوعات من العمل خوفًا على فِطرتهن أو تقليلًا من أنوثتهن.
الإسلام وعمل المرأة
بعد الاستعراض الواضح لتاريخ النِساء مع العمل، جاء وقت التوضيح لسؤال: هل جاء الإسلام ليمنع النساء من العمل؟ أم أنه أقر مشاركتها في المجتمع؟
في فتوى للشيخ ابن باز، سُئل فيها: ما إذا كان عمل المرأة مشروعًا؟
وكانت إجابته كالتالي:
“لا يمنع الإسلام عمل المرأة ولا تجارتها، فالله جل وعلا شرع للعباد العمل وأمرهم به فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]،
وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وهذا يعم الجميع، الرجال والنساء، وشرع التجارة للجميع، فالإنسان مأمور بأن يتجر ويتسبب ويعمل، سواء كان رجلًا أو امرأة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، هذا يعم الرجال والنساء جميعًا.”
فالمُتأمل في القرآن الكريم لن يجد أن الله سبحانه حرم عمل المرأة بنصٍ صريح، ولن يجد أوامر تمنعها من المشاركة في شؤون الحياة الاجتماعية والعامة. يعرض القرآن المرأة بوصفها إنسانًا مُكلفًا كالرجل! فضوابط العمل التي شُرعت على النساء من الاختلاط وغيره هي ذاتها المُشرعة على الرجال، لا تمييز ولا استثناء. ولذا ستجد في القرآن أن المرأة مسموعة، ذكية، طموحة، وستجدها تبحث وتناقش بل وتجادل. ستجد السيدة آسيا، امرأة فرعون، التي رفضت ظلم الطغيان وآمنت بالله رغم نشأتها في قصر أكبر طاغية، وستجد الملكة المُبجلة بلقيس، ملكة سبأ، التي كانت قائدة عاقلة تستشير قومها وتبحث عن الحق قبل اتخاذ القرار، وستجد مريم عليها السلام التي اختارها الله ورفع شأنها وجعل قصتها آية تتلى إلى يوم القيامة، وستجد المرأة التي جادلت النبي ﷺ في شأن زوجها حتى نزلت سورة كاملة بسبب حديثها وشكواها. لم يقدم القرآن المرأة ككائن صامت بلا رأي، بل عرضها صاحبة عقل وإرادة وموقف، لها صوت يُسمع ومسؤولية تُحمل. ولم يكن هذا الحضور مقتصرًا على القرآن، بل تؤكده السيرة النبوية أيضًا. فقد كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تاجرة تدير تجارتها، ورفيدة الأسلمية تعالج الجرحى وتقوم بأعمال التمريض، كما شاركت نساء كثيرات في البيع والشراء، والزراعة، والسقاية، والتعليم، والغزوات، وخدمة المجتمع. لم يكتفِ التاريخ الإسلامي بعزل النِساء بموجب رعاية الأطفال والغيرة. ولو كان حرامًا، لَمُنِع في عصر النبوة أساسًا. ومن هذِه النقطة ننتقل إلى سؤال مُدخل للمحور الرابع: من غيّر هذه الموازين؟
الجذور الاجتماعية للجدل حول عمل المرأة
كيف تحولت الإباحة إلى استثناء؟ في حين أصبح المنعُ هو الأصل.
الغريب أن الانتقال الفكري الذي شهدهُ المُجتمع العربي والإسلامي لم يكُن بسيطًا، فمجتمعٌ وُجدت فيه الطبيبات والمُعلمات، وكانت نساؤهُ تشارك في التِجارات والشؤون الاجتماعية، لن يصل به الحال مُطالبًا النساء بتبرير رغبتهن في العمل. النظرة العصرية تشكلت من عدة زوايا تاريخية، سواءٌ اجتماعية، أو ثقافية، أو اقتصادية، امتزجت فيها العادات المحلية بالتفسيرات الدينية. ومع الوقت أصبح هُناك فئات لا تتفادى الخلط بين العُرف والعقيدة، فتأصلت التصورات المجتمعية باعتبارها مُسلمات دينية، وأصبحت من المُسلمات التي يَصعُب نِقاشها.
ازدواجية المعايير
عمل النِساء ليس المرفوض بحد ذاته، فالموقف تجاه كُل المِهن يختلف، رغم أنها جميعها مِهن، وجميعها تُمكن المرأة من الخروج. إذًا، هل هُناك خفايا نفسية قد تُكشف من هذهِ النُقطة المُعقدة؟ مُجتمعنا لا يرفض خروج المرأة للعمل في الخدمات الشاقة، فبائعة الخُضار، والمُزارعة، وحتى من تبيع البضائع أمام الأرصفة وتُجابهها شمسٌ عمودية، كُلهن شُرفاء فقيرات يسترزقن، بل وقد يمُر من جانبها ويدعو لها بالخير والبركات. لكن حين تدخل ذات المرأة مكتبًا، أو مُختبرًا، أو حتى وزارةً أو جامعةً، وتُصبح أخيرًا في بيئة تحفظ بها نفسها، تنهالُ عليها الأسئلة، والمُحاكمات، والفتاوى!
لِمَ تعملين؟ وهل خروجك أصلًا جائز؟
أثرُ عمل المرأة
ذاتها وأُسرتها
عمل الإنسان يتجاوز الفِكرة الاقتصادية المعروفة، فالدخل يُعتبر زاوية واحدة، ومساحة التعلم، وبناء الشخصية، واكتشاف الذات، والشعور بالإنجاز هُن زوايا أيضًا. تعملُ النِساء لتكسب خبرات جديدة، ولتحقق أثرًا ساميًا في المُجتمع، ولتكون على مقدورية في التعامل مع أشخاص مُختلفين، ولتتعرف على مجالات خارج نطاق حياتها المُعتادة، مِمَا يوسع مداركها ويمنحها فِهمًا أعمق لذاتِها ومن حولها. وقد ناقش عالم النفس ديفيد بلستين (David Blustein) في كتابه The Psychology of Working أن العمل ليس مجرد وسيلة اقتصادية، بل هو جزء من هوية الإنسان، لأنه يمنحه الشعور بالمعنى والانتماء والكفاءة. كما تشير تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن العمل اللائق يمكن أن يكون عاملًا داعمًا للصحة النفسية من خلال توفير الهدف، والاستقرار، والعلاقات الاجتماعية، بينما تعتمد نتائجه على ظروف العمل وجودته. فالعزلة الاجتماعية لن توفر لها تجربة حياتية مُتكاملة، وإن وجدت بيئة عمل صحية ومُحترمة، فقد تُصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها. ويمتد عمل النِساء إلى أُسرهن أيضًا، فالمرأة المُنجزة والراضية قادرة على نقل هذِه المشاعر لبيتها، وتتمكن مِن بناء علاقة صحية مع أفراد أُسرتها، إضافة إلى أن خبرتها المُكتسبة من التعليم والعمل والتعامل مع شتى ثقافات وطباع المجتمع قد تنعكس على طريقة تفكيرها وتربية أطفالها كنموذج واقعي، لا مُجرد كلمات. وعلى طرف الزوج، فالعمل لا يكون في مكنونيته تهديدًا للرجل ليتحول إلى منافسة، بل يكون شراكة بين الطرفين، ليُساهم كل منهما في بناء الأسرة عبر الدعم المُتبادل بين الزوجين في تقسيم المسؤوليات، واحترام طموحات كُل طرف، وكلها عوامل تجعل الأسرة مستعدة بشكل أكبر لمواجهة تحديات الحياة.
مُجتمعها
يرى قاسم أمين أن تخلّف المجتمع، ومنه حرمان المرأة من التعليم والعمل، كان أحد مظاهر الضعف التي أسهمت في تراجع الأمة وجعلها أقل قدرة على مواجهة الهيمنة الأجنبية، ومنها الاحتلال البريطاني. مبرهنًا أن قمع النِساء من التعليم والعمل كان أحد العوامل الأولى، قائلًا إننا هكذا عطلنا مشاركة جزء كبير من الطاقة البشرية في المجتمع المصري: أي نُصف المُجتمع، والنِصف هذا هو ذاته من سيبني الجيل القادم. لا يصح أن تكون المرأة مُستهلكة للخدمات فقط، فلا بد أن تكون مُساعدة ومُساهمة في المجالات التي يحتاجها المُجتمع. لذا، حين يُعطى هذا الحق، تُفتح الفرص أمام الملايين من النساء للمشاركة، ليُستفاد من خبرات وقدرات المُجتمع بأكمله.
ختامًا
أَمُل أن تكون جميع النِساء قادرات على العمل بِما يُثمر ويساهم بعلومِهن لِمن حولهُن ولمُجتمعاتهن. عالمنا العربي ما زال في حراك طويل الأمد للتطور، ولذا دائمًا وأبدًا سيتعين على أي فئة مُجتمعية أو حكومة أن تنهض بالمُجتمع بأكملِه. ولأن النِساء هُن النِصف، فلا بُدّ مِن تواجدهِن في القطاعات العِلمية والتقنية والبحثية، الدينية والإنسانية والاجتماعية، وحتى السياسية والدولية. والاعتراف بأهمية عمل المرأة لا يعني إغفال أدوارها الأخرى، فالأمومة والتربية ليست مسؤوليات هامشية. ولذا سيكون الحديث في المقال الثالث مِن سِلسلة “لأنها إنسان”: كيف ترتب المرأة أولوياتها، وكيف تصنع توازنًا بين عطائها في المجتمع ومسؤولياتها داخل أسرتها؟
📌 | جميع المصادِر في التعليقات
لقراءة المقال الأول مِن سلسلة “لأنها إنسان”: تعليمُ المرأة





جيردا ليرنر — نشأة النظام الأبوي
https://global.oup.com/academic/product/the-creation-of-patriarchy-9780195051858
عبد العزيز بن باز — حكم عمل المرأة
https://binbaz.org.sa/fatwas/20079/%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A9
إليزابيث وايلاند باربر — عمل النساء: أول عشرين ألف سنة: النساء، والنسيج، والمجتمع في العصور القديمة
https://www.amazon.com/Womens-Work-First-Years-Society/dp/0393313484
كريستن هوكس — الهادزا: جماعات الصيد والجمع في تنزانيا
https://anthropology.utah.edu/people/faculty/hawkes.php
كريستن هوكس، جيمس أوكونيل، ونيكولاس بلورتون جونز تقاسم اللحوم عند شعب الهادزا
https://www.science.org/doi/10.1126/science.214.4524.1310
مارلين زوك — الخيال البدائي: ما الذي يخبرنا به التطور حقًا عن الجنس والغذاء وطريقة حياتنا
https://www.amazon.com/Paleofantasy-Evolution-Really-Tells-About/dp/039334777X
قاسم أمين — تحرير المرأة (1899)
https://www.hindawi.org/books/96958241/
ديفيد بلستين — سيكولوجية العمل (The Psychology of Working)
https://www.routledge.com/The-Psychology-of-Working/Blustein/p/book/9780415881934
إليزابيث وايلاند باربر — عمل النساء: أول عشرين ألف سنة: النساء، والنسيج، والمجتمع في العصور القديمة (Women's Work: The First 20,000 Years: Women, Cloth, and Society in Early Times)
https://www.amazon.com/Womens-Work-First-Years-Society/dp/0393313484
ميري إي. ويزنر-هانكس — المرأة والنوع الاجتماعي في أوروبا الحديثة المبكرة (Women and Gender in Early Modern Europe)
https://www.cambridge.org/core/books/women-and-gender-in-early-modern-europe/
لويز أ. تيلي وجوان و. سكوت — المرأة والعمل والأسرة (Women, Work, and Family)
https://www.routledge.com/Women-Work-and-Family/Tilly-Scott/p/book/9780415908211
ك. ن. موساكوفسكي (2009) — تأثير مدة البطالة السابقة على أعراض الاكتئاب لدى الشابات والشباب في الولايات المتحدة (The Influence of Past Unemployment Duration on Symptoms of Depression Among Young Women and Men in the United States)
https://ajph.aphapublications.org/doi/10.2105/AJPH.2008.152561
منظمة الصحة العالمية — الصحة النفسية في العمل (Mental Health at Work)
https://www.who.int/teams/mental-health-and-substance-use/promotion-prevention/mental-health-in-the-workplace
منظمة العمل الدولية — المرأة في العمل (Women at Work)
https://www.ilo.org/global/topics/equality-and-discrimination/women-and-work/lang--en/index.htm
أجمل ما قرأت، ابدااااع ابداااع ابداااع، ماشاء الله حرفيا تحفة 🩷🩷🩷