مع تسارع العوالم من حولنا والمُدخلات التي نمطت لنا الشهر الذي أُختير عن بقية الأشهر، ليكون شهر المغفرة والمعتق، شهر القرآن، وشهر الصوم عن كل جوارح الإنسان وطعامه، يترتب هذا المقال كبوصلة توجيهية لي ولكم عن ما غفلنا عنه في رمضان الأول وفي بقية الأشهر، آملةً أن يكون مرجعًا لمن أراده طيلة الشهر الفضيل والعام أيضًا.
قراءة ممتعة.
خسارة المسلم
ما قد يحاول الإنسان مرارًا تغييره في رمضان هو “نفسه”، فتخيل أن تخرج من رمضان وأنت بذات النفس، ذات الروح، ذات الغفلة والفتور!
قال النبي ﷺ:
«رغم أنف رجل أدرك رمضان فلم يغفر له»
تأملوا وقع كلمات الحديث، الكلمات ثقيلة، فالرسول ﷺ هنا لم يُعتب على من كفر، ولا على من ترك الصلوات، بل على من بلغ رمضان وخرج منه دون أن يُغفر له.
أي خسارة أسوأ من هذه قد يخسرها المسلم؟
الذنوب الصغيرة تُثقلك عن العبادات
في زحام الحياة وفي غفلات كثيرة، تُرتكب ذنوب قد لا تُرى أو يُستهان بها، لكنها تبلغ ما تبلغ حتى تحول بين المرء ورزقه – أي ما ابتغاه من الله سواء توفيق للعبادات، أو تحقيقًا للدعاء، أو توفيقًا في الحياة وعتقًا من النار.
يقول الرسول ﷺ:
«إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين»
وتبقى أنت في حيرة تهذيب نفسك راجيًا أن تدخل إحدى أبواب الجنة، لكن كيف إذا ما كنت ما زلت مقيدًا بهوى نفسك!
قال الله سبحانه وتعالى:
{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ الْعِدَّةَ} [النساء: 71]
أي أن الإرادة الصادقة تأتي قبل الفتح، بالتالي التوبة لابد أن تسبق مسببات التوفيق.
لابد للمسلم أن يدخل رمضان خاليًا من الذنوب التي لم يتُب منها بعد، وإذا تغافل المسلم فما يمكث لساعات لا تُعد وإذا به يجد قراءة المصحف ثقيلة، والقيام متعب، ولا يجد في قلبه خشوعًا، ولا يُكرم استشعار العبادات، ويُحرم من الطمأنينة.
قال الله تعالى:
{تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]
الفلاح مقرون بالتوبة، ومن أراد أن يدخل رمضان خفيفًا فليبدأ بانتشال أثقاله قبل أن يبدأ.
تخيل أن هذا آخر رمضان لك!
جاء في الأثر قصة رجلين أسلما، واستشهد أحدهما وعاش الآخر سنة إضافية حتى بلغ رمضان، فكان الذي عاش حتى صام رمضان أعلى درجة.
استحضروا فكرة الموت معكم، كونوا حامدين المولى لما بلغكم به رمضان، فكم غادرنا من الناس من العام الماضي فقط ولم يبلغوا هذا العام؟
الموت ليس فكرة بعيدة، هو أقرب إلينا من أعمارنا المقبلة. مارس عباداتك وكأنك مودع، استحضره لتبني حزمًا شديدًا وصادقًا مع نفسك، فقد يكون هذا آخر رمضان لك، وقد تكون ليلة عِتقك من النار فيه.
أصلح صلاتك
ثلاثة أسئلة فقط لتُعيد تقييم وترتيب كل صلواتك:
١- أين أُصلي؟
فالرجُلِ فليسأل نفسه: هل في المسجد؟
وإن كان في البيت للرجل أو المرأة، فليسأل: أين بالضبط؟ في أي مكان؟ هل يمرّ به أحد من البيت؟ هل تحوّشه الضوضاء ويُفتقد فيه التركيز والخشوع؟
٢- متى أُصلي؟
هل أصلي في أول الوقت أم آخره؟ هل يصل بي الحال بالمُجاراة إلى الوقت الأخير للصلاة الأولى لكيلا يتأخر وقت الثانية؟
٣- كيف أُصلي؟
هل كنت خاشعًا؟ أتذكر ما قرأته؟ هل كنت مطمئنًا في سجودي وركوعي في سكون؟
قال الله تعالى:
{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]
فهي أول ما يُقيمك على العبادات والتوفيق بها وبحياتك كلها.
وقال النبي ﷺ:
«أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلاته صلح سائر عمله، وإن فسدت صلاته فسد سائر عمله»
أطيلوا السجود والركوع،
استشعروا وقوفكم أمام الله سبحانه وتعالى،
وجددوا الهيكل الأساسي للعبادات، اصلحوه لتصلح بقية عِباداتِكُم.
شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن
أُختص رمضان ومُيز وعُظم تبعًا لنزول القرآن الكريم فيه.
قال تعالى:
{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185]
إذًا الهداية هنا ربطت بالقرآن.
والأفضلية هي ختمة تلاوة كاملة، لكن إضافة ختمة تدبر ستكون أثرًا جميلًا جدًا، حتى جزء واحد كافٍ!
قال تعالى:
{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24]
لذا جاهدوا أن لا تكتفوا في رمضان هذا بختمة واحدة، وإن كثرت ختماتكم، كَرِسوا إحداهن للتدارس
مُعضلة الفتور
من أعظم البشارات التي خص الله سبحانه وتعالى بها شهر رمضان أن العتق من النار ليس محصورًا في ليلة القدر فقط. جاء في الحديث:
«إن لله عتقاء من النار في كل ليلة، وإنه عند كل إفطار عتقاء أيضًا».
ولك أن تصل إلى الليلة التي أُقر لك فيها أن تُعتق، ولكن تبعًا لتكاسلك، فأنت تفقد أعظم ما قد عشت لأجله!
لذا كرروا دومًا: “لا حول ولا قوة إلا بالله”.
هي كلمة المسلم المستعين، وتعني: لا تحول من حالٍ إلى حال، ولا قوة على الطاعة إلا بالله.
قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام:
{رَبِّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} [القصص: 24]
كرروا دعاء النبي موسى، فنحن فقراء العتق وفقراء إلى مغفرة الله وإلى توفيقه.
وجاهد نفسك أن تُصلي تلك الركعات المؤجلة، وأن تقرأ الآيات المتراكمة، لعلك تجد فيها ما يُنجيك.
____________________________________
أختتمُ المقال هُنا بكلامِ نبينـا ﷺ مُبشِّرًا أصحابهُ بقدومِ رمضان
دُمتم سالمين.




سلمتِ يدينك
تسمحين أنشرها عندي بقروبات دينية!
جزاكِ الله كل خير يا وهوججج مقال رائع وقد جاء في الوقت المناسب حتي يرتب عقولنا ويجمع شتات افكارنا المبعثرة ❤️
جزيتي الجنة يا عزيزتي ❣️🤭