قِصة حُب مِن بيت النبوة: السيدة زينب وأبو العاص
"لن ينال مما بيننا يازينب"
بين أوساط الأطفال جميعهم ومنذ كانا صغارًا كان يحنو قلب أبي الربيع لزينب، كان يلمح في ابتسامتها دِفئًا لا يجده في مكان آخر، ويصبو إليها حبًا حتى وقع ما وقع من الهوى في قلبه. فكبر وكان يقصد التجارة، وحين يعود منها ما يمكث حتى يهرول لبيت خالته خديجة علّه يلمح محبوبته زينب. كانت زينب عليها السلام ابنة خالته وقبلته وكعبته التي يُقبل لها ويتوجّه لها، وما يقصد غيرها كلما عاد من قوافل تجارته. كبر الحب بينهما وكان يزهر وينمو كلما مرّ الوقت.
وفي أحد الأيام عزم أبي ربيعة أن يتقدّم للزواج من زينب، فاستجمع شجاعته وحسم الأمر على أن يذهب لرسول الله ويطلب ابنته منه. دخل ابو العاص على رسول الله فقال له:
"أريد أن أتزوج زينب… ابنتك الكبرى."
فقال له النبي:
"لا أفعل حتى أستأذنها."
ودخل بعدها النبي على زينب وقال لها:
"ابن خالتك جاءني وقد ذكر اسمك، فهل ترضينه زوجًا لك؟"
فأحمرّ وجه زينب وابتسمت.
وعلمًا أن أعراف قريش حينها تُقرّ أن أبناء العم تكون لهم الأولوية على أبناء الخالة، وهذا ما شبّ في شباب قريش بالغيرة حينها، لكن المنتصر الوحيد كان حبهما!
تزوجت أختا زينب عليها السلام (أم كلثوم ورقية) بابني عميهما – عتبة وعتيبة – وعلمًا أن كل الزيجات كانت قبل بعثة النبي.
حين بُعث النبي وأعلنت قريش الحرب عليه، أقرّوا أن يعيدوا بناته له مستهدفين عاطفته الأبوية:
"رِدّوا عليه بناته."
أما عتبة زوج السيدة أم كلثوم فذهب للرسول قائلًا:
"كفرتُ بدينك وفارقتُ ابنتك، لا تُحبّني ولا أُحبّك."
ودنا من الرسول وشدّ قميصه الشريف فتمزّق.
وأخوه عتيبة طلّق رقية حين راودته أمه قائلة:
"طلّق ابنة محمد ونزوّجك أي امرأة من قريش شئت."
وأما زينب فقد كانت تنتظر زوجها الذي غادر مكة منذ فترة إلى الشام قاصدًا التجارة، وحين عاد وأخبرته عن إسلامها اشتد غيظًا وقال لها غضبًا:
"لن أؤمن بأبيكِ ولا برسالته!"
وغادر البيت لا ينوي شيئًا. وخاف حينها من صورته أمام قريش كأن يقولوا إنه ترك دين آبائه لإرضاء زوجته.
لكنه حالما وصل إلى مقر سادة قريش قال لهم مزعزعًا لتوقعاتهم:
"لا والله لا أفارق صاحبتي، ولا يعوّضني عنها أن لي أفضل امرأة في قريش."
وحين عاد للبيت وجد طفليه يجريان إليه فاحتضنهما، ثم حملهما واقترب من زينب يحنو عليها قائلًا:
"لن ينال مما بيننا يا زينب أن تكوني على دينكِ وأثبتُ على ديني."
ردت عليه:
"قليلًا يا صاحبي، لستُ حِلًا لك، وأنت على ذلك الدين، فأسلِمني إلى أبي أو أسلِمْ معي.. لن تكون زينب لك بعد اليوم إلا أن تؤمن بما آمنتُ."
لا شك أن عواطفًا جليلة تحرّكت في قلب رسول الله ﷺ حين مثُلت زينب بين يديه تطلبه قائلة:
"يا رسول الله.. أتأذن لي أن أبقى مع زوجي؟"
فقال النبي:
"ابقي مع زوجك وأولادك."
وبعد مدة هاجر المسلمون إلى المدينة، وظلّت السيدة زينب بمكة مع زوجها وحبيبها على أمل أن يهديه الله للإسلام. وحين دقّت طبول الحرب، وخرجت قريش في جيش مخيف كبير لمحاربة المسلمين، وكان يقتضي على أبي ربيعة الذهاب معهم، يقف على عتبة الباب مودّعًا أطفاله الاثنين، وكان يكابد شعور الألم أن خصومه هم من يقفون مع حبيبته وزوجته زينب، وكان ابو العاص في مقدّمة الجيش حينها.
بعد مدة دخلت عليها عمتها تبشّرها بانتصار والدها على جيش قريش، فسجدت شكرًا ثم سألت:
"وماذا فعل زوجي؟"
"لم يُقتل زوجكِ لكنه أسير."
ورغم أن عائلة أبي العاص لم ينقصها المال لتفتدي ابنها، إلا أن زينب قررت أن تفكّ أسر زوجها بنفسها وبطريقتها الخاصة.
أرسلت عائشة شقيق ابن العاص للمدينة وإلى رسول الله، فدخل على رسول الله وجلس بين يديه وقال:
"بعثتني زينب بهذا فداءً لزوجها."
وأخرج صُرّة ووضعها بين يدي الرسول. وحين فتحها النبي وجد قلادة حبيبته خديجة التي أهدتها لابنتها في عرسها، فخفق قلبه وارتعش.
كانت زينب تريد أن تُذكّر والدها بالحب الذي كان بينه وبين أمها، وتذكره بأنها وليدة حبهما، وأن ابن العاص ليس زوجها فقط بل حبيبها وابن خالتها. تذكّره أنه ليس من طرفي فقط يا أبي، بل من طرف أمي أيضًا! حبيبتك خديجة يا أبي!
سالَت دموع الصحابة لما كان الموقف مؤثرًا حينها، وصمت النبي قبل أن يقول لأصحابه:
"إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها مالها فافعلوا."
ففعلوا.
ولكن آية التفريق بين المسلم والكافر كانت قد نزلت، فطلب النبي من ابن العاص قبل عودته أن يردّ له ابنته زينب، فلم تكن له حيلة إلا أن يوافق. عائدًا في الطريق يفكر كم ستحمله هذه الأثقال، كيف سيتحملها وإلى متى…
وصل إلى مكة وكانت زينب تنتظره في أبواب مكة غير مدركة أنه سيلاقيها بـ:
"عودي إلى أبيكِ يا زينب."
غصّت روحه بالعبرة، وكاد يُغلَب من شدة ما وجد، فلم يقوَ على مرافقتها ولا الوقوف على مشهد الفراق. ثم مضى يقول لأخيه كنانة بن الربيع:
"إنك لتعلم موضعها من نفسي، فما أحبّ أن لي امرأة من قريش غيرها، وإنك لتعلم ألا طاقة لي بأن أفارقها، فاصحبها عني إلى طرف البادية حيث ينتظر رسول محمد، وأرفق بها في السفر، وارعها رعاية الحرمات، ولو نثرت كنانتك لا يرنو منها رجل حتى تبلغ."
عادت زينب إلى المدينة وظلّت ترفض الخطّاب لمدة ستة أعوام على أمل أن يعود إليها زوجها وحبيبها وأبو ولديها. وفي إحدى الليالي طُرق باب بيتها، ففتحت متسائلة عن الطارق، فإذا به ابو العاص. فسألته بلهفة تجوب بها السعادة:
"أجئت مسلمًا؟"
ردّ عليها متنهدًا:
"بل جئتُ هاربًا…"
فسألته علّ بقايا الآمال تشدو بها:
"فهل لك أن تُسلم؟"
فطأطأ رافضًا. فابتسمت بحزن، وبصوت حزين قالت له:
"لا تخف.. مرحبًا بابن الخالة، مرحبًا بأبي عليّ وأُمامة."
حكى لها أبو العاص أنه كان يقود قافلة قريش التجارية إلى الشام، وعند عودته اعترضتهم سرية من المسلمين، فأخذوا كل ما معهم. ولكنه فرّ منهم وتسلّل حتى وصل إلى خيمتها، ولم يكن يعلم أن روحها كانت قد رجعت إليها وهي تراه يدخل.
قد أجرنا من أجرتِ يا زينب
وفي الوقت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم يؤمّ المسلمين في صلاة الفجر، وقبل أن ينهي صلاته، سمع صوتًا يقول:
“أيها الناس، إني أجرتُ أبا العاص.”
فعرف أن الصوت صوت زينب، فقال للمصلّين:
“أما والذي نفس محمد بيده… ما علمتُ بشيء من ذلك حتى سمعتُ ما سمعتم.” ثم صمت.
قالت زينب:
“يا رسول الله، إنّ أبا العاص إنْ بَعُد فابنُ الخالة، وإنْ قَرُب فأبو الولد، وقد أجرته يا رسول الله.”
فردّ النبي:
“يا أيها الناس، إنّ هذا الرجل ما ذممتُه صهرًا. وإنّ هذا الرجل حدّثني فصدقني، ووعدني فوفّى لي. فإن قبلتم أن تردّوا إليه ماله، وأن تتركوه يعود إلى بلده، فهذا أحبّ إليّ. وإن أبيتم فالأمر إليكم، والحقّ لكم، ولا ألومكم عليه.”
فقال الناس:
“بل نعطه ماله يا رسول الله.”
فأجاب النبي:
“قد أجرنا من أجرتِ يا زينب.”
ثم ذهب إلى بيتها وقال لها:
“يا زينب، أكرمي مثواه فإنه ابن خالتك، وإنه أبو العيال، ولكن لا يقرُبنكِ، فإنه لا يحلّ لك.”
فأجابت:
“نعم يا رسول الله.”
نظرت زينب إلى أبو العاص وقالت:
“فيمَ هذا العذاب؟ يا أبا العاص، أهان عليك فراقُنا؟ هل لك إلى أن تُسلم وتبقى معنا؟”
فردّ:
“حتى يقضي الله فينا أمره.”
فقالت:
“يرحمنا الله…”
بعد أن عاد إلى مكة، وقف أبو العاص أمام الكعبة وبدأ يوزّع أموال التجارة الرابحة على أصحابها.
وعندما فرغ، قال:
“يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟”
فأجابوه:
“لا… جزاك الله خيرًا، فقد وجدناك وفيًا كريمًا.”
ثم نظر إليهم ورفع صوته قائلًا:
“إذن، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.”
سافر ابو العاص متجهًا أخيرًا لمحبوبته وقد بلغ ما بلغ من الشوق والوجد. دخل المدينة فجرًا متوجهًا إلى النبي، فقال:
“يا رسول الله، أجرتني بالأمس، واليوم جئت أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.”
ثم أضاف برِقّة:
“يا رسول الله، هل تأذن لي أن أراجع زينب؟”
فأخذه النبي وقال: “تعال معي.”
ووقف على بيت زينب وطرق الباب، وقال:
“يا زينب، إنّ ابن خالتك جاء لي اليوم يستأذنني أن يراجعك، فهل تقبلين؟”
فأحمرّ وجهها وابتسمت.
عاش أبو العاص مع زينب عامًا بعد أن زوّجه النبي إياها من جديد..
ثم ماتت زينب رضي الله عنها وأرضاها.
فبكاها بكاءً شديدًا حتى رأى الناس رسول الله يمسح عليه ويهوّن عليه، فيقول له:
“والله يا رسول الله، ما عدت أطيق الدنيا بغير زينب.”
ومات بعد سنة من موت زينب.



أحب قصة زينب وزوجها جدًا. لكن فيه أخطاء حبيت أصححها:
أولاً هو اسمه أبو العاص بن الربيع وليس أبو الربيع.
كتبتِ "لبيت خالته عائشة" والصحيح أن خالته هي خديجة رضي الله عنها.
"فأحمر وجه عائشة وابتسمت" والصحيح هي زينب.
May this love find me 😭