هُنا بَين الشيء واللاشيء أقفُ مُبعثرة أنا وشعور الصِبابة المُخدَّر، شعَري قد نَزل بأكمله على كَتفي وألتصق بوجنتَي بفعل الدموع، أرفعُ أصبعي لأمسح عينَي فإذا بأصبعي مُلطخة بالسواد بفعل الكُحل.. فأُعاوِدُ النَحيب.
إن ما يحُل عليّ مؤخرًا هو شِبه إعجازي يعكِفُ بصدري تأجج مشاعِر هائجة كثيرة مُرعبة لا تكاد تَخرُج لتُفصح عما حَل بي وأنا.. أنا يا وهَج مُتعبة، أتعلمين ممَّا؟
مِن كُل شيء، أحاوِط فُتات لحظَاتي بكُل شيء لكني في حقيقة الأمر لم أعُد أملك شيئ، أنا خالية خالية تمامًا. خالية مِن الكلمات مِن الشغف ومِن الحياة، خالية مِن كُل ما قد كُنت ممُتلئة به. أتعلمين؟ أنا خالية حَتى مِن الشعور، وإن بدا هذا مُريبًا ففي حقيقتهِ المُرَّة أن المشاعِر تجمعت عليّ لتحل محل قُنبلة مُتفجرة في أوساط شراييني لتفتك بكُل أحاسيسي مُتوسط صدري اليساري.
تعلمَين يا وهَج؟ لم أعُد أخاف القاع، أيخافُ المرءُ مما يعيشُ به؟ تَبدو الحياة ولأولِ مرة ضيقة الأُفق للعيش، تبدو الأرض صغيرة جدًا حتى تَحتوي شعوري، وأُكمل أنا السير البطيء، البطيء جدًا الذي لم أعتدهُ يومًا.. تعلمين؟ أكثر ما يطعنُ بصدري كُل مَرة هو فِكرة أني لم أعُد أنا، أجولُ بكُل مكان إلا أماكِني.
وهَج خفيف طفيف مِن أمنَية حلمتُ بها دومًا تُناجيني أن أنهض، أنا مِن تشقى بفكِرة الوعَي لمُستقبلها بشكلِ المريض، عليّ أن أصنع المُعجزات لَي ولن أرضى بالقليلِ، أنا؟ لِمَ قد أتنازل عن وقتٍ للفراغ بينَما أسمو به إلى العلياء، لِمَ؟
ذاعَ صيتُ جوارحي وهي ترتجف لحظة سماع صوت داخلي يُحادثني قائلًا: إني عُدت لنقطة الصفر، أفعلتُ؟
حالة هلع أصابتني، وإذا بي أرجُف، أسقُط غارقة في دموعٍ نسجتها ذِكرى قديمة. لم أكُن يومًا أُفكر بالعودة لنُقطة الصفر مُجددًا، لم أستعد للعَيش بحياة فُرضت عليّ ولم أخترها أنا، لذا وقفتُ وطيفُ وهج الداخلي يُلامس فيني كُل شيء. لم أكُن يومًا مِمَّن قَسوا على أنفسهم بقصد، لم أُضمِر مشاعري واحدًا تلْو الآخر بهذا الشكل المهوول، كُنتُ نعم الحنونة على نفسها، أتجاهل كُل ما يؤذي، أضعُ وهج وشعور وهج في المُقدمة، أختار أولويات وهج قبل كُل شيء، أنا الأنانية بنفسها، النرجسية بها، كَيف لي أن أقسُو عليها.
إلى وهَج
حُلوتي، أعتذرُ
أعتذرُ عما بدر مِني، أنا آسفة وبشدة، أُدرك ماهية فِكرة أنكِ صقلتِ جُل فِكرك مشاعرِك وحُبك لي، وأتيتُ أنا بتخبُط وقتي ومشاعري وضغوطاتي وتركتُكِ في مُنتصف الطريق دُون تَبرير يُبرر مَفهومية أفعالي، غير أني أُرغمت دون شعور أن أُصبح تليدة الضياع والفوضوية فجأة، أن أخرُج مِن محور راحتي لحياة أكبر، مسؤوليات أكثر، كُسرت عليّ قَوقعتي المُريحة وكان علي التأقلُم فجأة مع كُل شيء، تقبُّل كُل شيء. حَبيبتي أُحبك، ولتَعلمي أني لن أُضيعكِ أكثر، لن أفعل.
تعلمين؟ مؤخرًا تناثرت عليّ أفكار كِتابات، مهارات وقراءات، كُنت أجهز حفلة لليوم الوَطني الكبير، لكني سأتْرُك كُل شيء الآن، كُل شيء يا حُلوتي، كُل شيء فقط لتتَشافيَ مِمَّا ملأتُكِ به مِن انحدار عن خُططكِ، معالَمكِ وطُرقك، غير أنني أمَّنتُ لكِ شيئًا حنونًا جدًا، شيئًا وعدكِ بوعدِ الداليا.
كُوني بَخير يا حُلوتي
معَ أطيب التحياتِ — الذليلةِ جدًا —
وهَجُ الثامِنة عَشر.
ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِه
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ


