الرابع عشر من تشرين الأوّل
من: وهَج
إلى: عروس البحرِ العربي “الحُره”
إن الذكرى الأولى التي خلّدها عقلي لكِ كانت حين بلغتُ الرابعة، حملنا أمتعتنا نحنُ البيت الكبير نقصدُكِ يا عدن! لا أذكرُ إلا ما حكتْه لي والدتي، وما لمحتُه في الصور. كنتُ سعيدة، سعيدةً جدًا، أبتسمُ وألوّحُ.
صورةٌ أخرى لي وأنا أتعرفُ على كيان البحر بين يديكِ لاولِ مرة، وكانت الصورة الثالثة لي وأنا ممتلئة بالرمل، أمدّ يدي لأمي لتصوّرني، وشفتاي تُقوِّسان ابتسامةً عريضة.
تعلمين يا عدن؟ بدوتِ لي قبل ثلاثة أعوام الأرض المنشودة، حين لففتُ مطارات العالم قاصدةً الوصول لأرض وطني، ولم يحملني شيءٌ أولَ مثلكِ، لم يفعل!
أذكر كم امتعَضتُ لفكرة قُطّاع الطُّرق المنتشرين بشكلٍ مُقزّز هنا وهناك، وكنتُ أسأل: "أهذه عدن؟"، ورغم أني مُنعتُ من زيارة شاطئكِ في آخر لقاءٍ لنا، لكني لم أنسَى يومًا تلك الليلة، حينما غادرتُ صنعاء باكية، واحتشدت الدموع في عينيّ لعشر ساعاتٍ. كنتُ أبكي في طُرقات ذمار وإب وتعز، ولم يواسني شيءٌ لفراقِ صنعاء حينها.
لكني أذكر حين وصلنا لنقطة طريق الحدود وأخبر السائق مبشّرًا: "وصلنا عدن"، فتحتُ عينيّ المتورّمتين، وإذا بريحٍ حنونةٍ تُلامس خديّ، ورائحةٍ مُنعشةٍ تتسلّل إليّ، كان البحر!
فتحتُ عينيّ لِمَ لامسَ روحي، فروحي لا تلمسُ إلا ما يُشبهها يا عدن!
أحلّقُ بشعوري حتى ألمح أحد شاطئكِ مُرصّعًا بالأضواء يُحيطه شجرٌ تتطاير أوراقه مع الريح.
وآهٍ يا عدن! كدتُ أُحلّق حتى السماء والفضاء، وها أنا أُعيد ذات الابتسامة المُقوّسة بعمر الرابعة.
وتمنّيتُ حينها لو أُترك هنا وحيدةً لساعةٍ واحدةٍ فقط، علي اواري هذا الشعورَ واستشفي مِنك بعض الذي
فقدتُه في صنعاء ووجدتُ ملامحًا له فيكِ.
وفتحتُ هاتفي حينها أُريد توثيق الشعور اللحظي بأي طريقةٍ ممكنة، وكتبتُ:
"أخرجُ من عدن، ولا تخرجُ مني عدن."
ودّعتُكِ صباحَ تلك الليلة، وحتى اليوم يا عدن، ما زلتُ أُبغض كلَّ الحروب التي جعلتني حبيسةَ النُّزل، لا أتفقدكِ ولا شوارعكِ.زما زلتُ أُبغض من يتحدث عنكِ أمامي، ويسكتُ حالما يعرف أني أقطنُ الشمال.
أتُريني أسكتُ عن حُبّي؟
إنني أتوهّجُ حُبًّا لكِ كلما سنحت لي الفرصة.
أراكِ على خريطة أراضي دومًا، ولم يستطع أحدٌ يومًا أن يجعلكِ منفصلةً عن أراضيَّ.
أنتِ من وطني، وتتغلغلينَ هنا في أصفادِ روحي.
أكتبُ لكِ، وكلي رجاءٌ أن أعودَ لكِ،
أن أُلطّخَ برملكِ،
وأن تُداعبني ريحُكِ،
وأن أمشي حافيةَ القدمين تمامًا،
بحُرّيةٍ مُطلقة،
وأن لا تفصلنا حدود،
ولا قُطّاع طُرق،
فقط أنا وأنتِ.



ابدااااع ما شاء الله عليك