لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿3﴾
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿4﴾
يبدو هذا السؤال بريئًا حين كُنّا نُرددهُ صِغارًا، لكنّه ذاته قد يكون المدخل إلى شبهة خطيرة حين يردده عقل مشكك أو قلب مضطرب غير مُتيقن وعالِم بالله سبحانه وتعالى.
وقد طرحتُ السؤال في أكثر مِن مكان دون إظهار نيّتي الحقيقة من السؤال، غير أنها كانت لمعرفة قابلية السؤال عند الأغلبية. وكما توقعتُ، وجدتُ هجومًا (من البعض) من ناحية “لِمَ قد أطرحُ هذا السؤال أساسًا؟” و”هل أنا ضعيفة دِين؟”، ومِنهم من حَرَّم السؤال أصلًا.
والحقيقة أن الرسول ﷺ قد تحدث عن الموضوع هذا كما سأذكُره في المحور الرابع.
قراءة مُثرية.
ما مَنشأُ هذا السؤال؟
يبدأ السؤال في كوننا نظُن أن القاعدة الكونية هي: (لكُل شيءٍ مُسببٌ ولكُل موجودٍ خالقٌ)، بينما القاعدة المنطقية للعقل والصحيحة هي: (لكُل شيءٍ حادثٍ مُسببٌ، ولكُل مخلوقٍ خالقٌ).
التفصيل في: (لكلّ شيءٍ حادثٍ مسببٌ):
“حادثٍ”: ويعني كُل ما لهُ بدايةٌ ووجِد بعد انعدام وجوده.
فكُل شيء لهُ بداية لا بُد لهُ من مُسببٍ أخرجهُ أو صنعهُ وخلقهُ من العدم إلى هذا الكون!
ما الذي أنبت النبتة؟ المطر.
حسنًا، ومن الذي أنزل المطر؟ علميًا: السحاب.
ومن الذي كوَّن السحاب؟ البُخار المُتصاعد.
ومن أين جاء هذا البُخار؟ منطقيًا: من البحار.
ومن أوجد البحار؟ الله سبحانه وتعالى.
إذًا، من أوجدَ الله؟ ليس لهُ مُوجد؛ لأنهُ السببُ الأول، أي: ليس لهُ مُسبب.
ولماذا؟
لأننا لو افترضنا أنه أوجدهُ خالقٌ، فسنَسألُ: ومن خلق خالقَ الخالق؟ وهكذا إلى ما لا بداية، وهذا يؤدي إلى تسلسُل الأسباب، ويُسمى بـ(تسلسل الفاعلين)، وهو غير منطقي بتاتًا للعقل، لأن النتيجة الوحيدة التي يخرج بها العقل: ألا يحصل خلقٌ أصلًا.
مَثلُ الأسيرِ والثريا:
لو كان معنا أسيرٌ، فمن المنطقي أنهُ لن يُطلق سراحُهُ حتى يتلقى الجُندي أمرًا من قائده، والقائد من قائده، وهكذا إلى ما لا نهاية..
ولكن إذا رأينا الأسير مُحررًا، فسنَعلمُ أن السلسلة وقفت عند من أعطى الأمر دون أن يتلقى أمرًا من أحد أعلى منه رتبة، أي هو الأعلى رتبة!
وحالُ مثلِ الثُريا أيضًا:
إذا دخلتَ بيتًا، ونظرتَ في إحدى الغُرف، فرأيت ثريا مُعلّقة بسلسلة، لكنك لم ترَ من أين تبدأ هذه السلسلة، فإنك تلقائيًا ستجزم بأن لها بداية من داخل السقف، وإلا لسقطت وما بقيت مُعلّقة، ولن تتقبل فكرة أن السلسلة مُمتدة إلى ما لا نهاية.
سؤال: من خلق الخالق؟
بعد وضعنا أُسس الفكرة، فهذا السؤال يُعتبر خطأ؛ لأنهُ يُخالف العقل، لأن العقل يقتضي (منطقيًا) أنهُ إذا كان الكونُ مخلوقًا، فلا بُد من وجودِ خالقٍ غير مخلوق.
وهو فكريًا وفلسفيًا خطأ، لأنهُ لا بُد عقلًا من سبب “أول”، فحين نُسدل السؤال: (من خالق السبب الأول؟)، فإنهُ لم يعُد سببًا أول بل ثانيًا!
واللهُ سبحانه وتعالى هو السببُ الأول، فليس حادثًا حتى يكون لهُ مُحدث، بل هو خارج إطار المادة التي خلقها، وغير محكوم بقوانينها.
إذًا الخالقُ ليس لهُ خالق، لأنهُ لو كان لهُ خالق، لكان مخلوقًا لا خالقًا.
النبي ﷺ وكيفية التعامل مع السؤال
السؤال ليس عارًا، ولا يدل على ضعف الإيمان، ولا هو خافتٌ للشريعة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
(يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله، ولينتهِ)
أي ينتهِي عن الاسترسالِ والاستمرارِ مع هذه الأسئلة بعد هذا الحد.
هل هكذا حجرَ الرسول ﷺ العقل؟ — حاشاهُ أن يفعل —
أبدًا، بل هو موقفٌ عقليٌ صحيح. لماذا؟ لأن هذا السؤال كما أوضحتُ سابقًا يُخالفُ البدهيات العقلية.
كيفية الرد على المُلحِد
الملحد لا يتقبل فكرة أن يكون الله أزليًا بلا بداية.
وتبدأُ محاورة الملحد بسؤال: (هل تؤمن بأن الكون لهُ بداية؟)
فإن كانت الإجابة: “نعم”، فالمنطقي أن هذا الكون مخلوق من خالق، لبديهة عقلية واضحة!
وإن كانت الإجابة: “لا، هو أزلي”، فأوضح لهُ كيف يعترض على أزلية الله ويُؤكد أزلية الكون!؟
إذًا، هو هنا لا يعترض على مبدأ الأزلية بحد ذاته، لكنهُ يعترض على أزلية خالق الكون، الذي أظهر علمه وحكمتهِ فيه!
آثار الله تظهرُ في كُل شيء، فكيف لمن يؤمن بأزلية الكون، أن يقول إن الكون بلا مُوجد!
ختامًا
مرّتني المصادر بغير بحث أو استدلال؛ كوني كنتُ أتجنبُ البحث “خوفًا” وبُعدًا عن الحرام المقنّع، غير أني تيقّنتُ، وزاد يقيني، وبشكلٍ أستشعرهُ أنا وروحي.
أقفُ هنا قابعة في هذه النقطة، فما بعدها فهو من الغيبيات.
شكرًا لقراءتكم.
والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.
مصادِر البحث



جزاك الله خير الجزاء تبسيط جميل وشرح واضح للفكرة.
اضافة ايضا الى اننا نستطيع " عقليًا ومنطقيًا " ان نقول بان السؤال في اصله خاطئ، لماذا؟ لان الله ليس محدود بحدودنا الفكرية والعقليه بل هو اوسع مننا وهذا في مثل الخبز والخباز عندما نقول بان الخبز خُبز وهذا ماهو متعارف بين الخبز ولا يعرفون غيرهم لمحدودية حياتهم هل نستطيع ان نقول ان الخباز خُبز؟ بالطبع لا لانه خُلق فالسوال في ذاته غير دقيقة وغير صحيح لاننا نقارن بين محدودية عالمنا وخلقنا بالله سبحانه وتعالى وهو اعظم منا وغير محدود
وبالطبع المثال هذا مقترن تمامًا بمثالك جزاك الله كل خير انه بالاصل حتى مع الخبز والخباز يجب ان نتوقف عند مسبب وحيد ازلي ليس قبله شيء
لماذا وُجد شيء بدلًا من لا شيء ؟
سأجيب من الناحية الدينية لاني اكثر يقينًا بها سأبدأ بفكرة الخلق نفسها ، الله خلق فكرة الخلق التي لم تكون موجوده اصلا ، مثلا عندما يصنع عالم اكتشاف جديد لاتستطيع ان تأتي وتقول من أتى بفكرة الصّناعه ؟ لأن الفِكرة لم تكن موجوده اصلًا .
فِكرة الخلق نفسها قد خُلقت ، أي أن الله أوجد فكرة الخلق نفسها ، الله خلق المفهوم نفسه ،
لذا لاتستطيع ان تأتي وتسأل "من إخترع أول فكره ؟"
لأن قبلها لم يكن هناك فكرة أصلًا !
الله خلق إمكانية وجود أو عدم وجود شيئٍ ما وهو شيءٌ يدعوا للتفكر حقًا !
أتعلم ؟ ان الإنسان منذ خلقته وهو يشتاق لخالقه ؟ ويحتاج الى معبود ليعبده حتى يستمر ؟ مثلا هناك من يعبد الشمس ، النار ، البقر ، الحيوان ، الصنم ، الصخر ، القمر الخ ..
لماذا سيؤمنون بحجر ؟ أقصد لماذا اصلًا يريدون ان يؤمنوا ؟؟ وهنا يتبين لي اشتياق الروح لخالقها ومكانها الاصلي "الجنة " ، لايهداء هذا الضمأ الداخلي مهما أمتلك الإنسان من سلطانٍ ومُلك ، يسعى دومًا لشيء سامي ، لِيعرف ان رُوحه المرتجفه تدنو أمام كيانٍ أسمى ، لِتُحوَجَ إليه وقت حاجتها وإنكسارها ( الحمدلله إني مسلمة ☺️)
والجواب على هذا السؤال هو :
الفِطرة
الفِطرة التي فَطَر الله الإنسان عليها ،
الإنسان لا يولد ملحدًا، بل يولد بقلبٍ يتطلع إلى الأعلى… إلى ما وراء الوجود ،
لكن حين يضيع الطريق، لا يطفئ هذا التطلع، بل يضعه في المكان الخطأ … في حجر، في شمس، في بشر.
ولذلك جاء الرسل لا ليخلقوا الإيمان، بل ليعيدوا توجيهه نحو الحق ، أي أنهُ موجودٌ منذ خلقنا .
هناك اشخاص وملوك في قديم الزمان امتلكوا كل شيء وماذا فعلوا ؟ عبدو الشمس ! جعلني ذلك اتفكر كثيرًا ، لما سيحتاجوا أين يؤمنوا رغم أن لديهم كل شيء حتى خرجت بهذا الجواب الذي يشبع القليل من فضولي .