لكي يُسمح لك بممارسة مهنة الطب، عليك الحصول على شهادة تؤهلك لذلك، وليتسنى لك قيادة سيارة، عليك استخراج رخصة قيادة بعد اجتياز اختبارات تثبت مهاراتك فيها.
لكن، هل فكرت يومًا في سؤال مختلف: هل ينبغي أن يمتلك الإنسان رخصة أخلاقية ومعرفية قبل أن يُنجب طفلًا؟
تأمُلاً في الرخص والشهادات التي يُطلب منا الحصول عليها لممارسة أبسط المهن والمهام، نجد أنها وُضعت لحماية الآخرين من آثار الجهل أو عدم الكفاءة. أما إنجاب طفل، وهو أعظم مسؤولية قد يتحملها الإنسان في الاعتناء بروح!
ولا يُطلب له سوى القدرة البيولوجية،
بينما تُترك الجوانب النفسية والتربوية والأخلاقية لضمير الفرد وحده.
إن قرار إنجاب طفل لا يقتصر على توفير منزل مناسب أو دخل مادي يكفل الطعام والملبس، فهذه احتياجات أساسية لا خلاف عليها، لكنها ليست كل شيء. طفلك لن يحتاج إلى سقف يؤويه فقط، فالدعم العاطفي والنفسي إضافة للإحتواء الفِكري والجسدي و شعور بالأمان، والتربية الصحية ستخلُق فيهِ مِن الصلابة النفسية والثِقة بوالدين يدركان كيف يبنيان شخصيته ويحترمان احتياجاته النفسية.
وليس هذا مجرد رأي عاطفي، بل تدعمه أبحاث علم النفس التنموي. فقد بينت أبحاث جون بولبي وماري أينسوورث في نظرية التعلق أن العلاقة الآمنة بين الطفل ومقدم الرعاية خلال سنواته الأولى تؤثر تأثيرًا عميقًا في صحته النفسية وقدرته على تنظيم مشاعره وبناء علاقات سليمة مستقبلًا، كما أظهرت أبحاث ديانا بومريند حول أنماط التربية أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة تجمع بين الحزم والدفء والدعم النفسي يحققون نتائج أفضل في الصحة النفسية والثقة بالنفس والنجاح الدراسي مقارنة بالأطفال الذين يتعرضون للقسوة أو الإهمال.
ولعل من أشهر الأدلة على ذلك دراسة تجارب الطفولة السلبية (ACE Study)، التي وجدت أن التعرض للإهمال أو العنف أو الاضطرابات الأسرية في مرحلة الطفولة يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب والقلق، بل وحتى بعض الأمراض الجسدية في مرحلة البلوغ.
وهذا يعني أن أثر التربية لا ينتهي عند الطفولة، بل قد يرافق الإنسان لعقود من حياته.
ما زالت بعض مجتمعاتنا العربية تعتبر الضرب وسيلة للتربية ظنًا أنها إحدى الوسائل السليمة لتنشئة طفل سوي الخلق، طائع وبار بوالديه. دراسة للباحثة إليزابيث غيرشوف بالتعاون مع الباحث أندرو غروغان كايلور في تحليل تلوي نشر عام 2016، جمع نتائج 75 دراسة شملت أكثر من 160 ألف طفل، وقد أظهرت النتائج أن استخدام الضرب كوسيلة للتأديب يرتبط بزيادة السلوك العدواني، وارتفاع المشكلات السلوكية والنفسية، وتراجع جودة العلاقة بين الطفل ووالديه. والأهم من ذلك، لم يجد الباحثان دليلا علميا يثبت أن الضرب يحقق نتائج أفضل في تعديل سلوك الطفل على المدى الطويل مقارنة بأساليب التربية الإيجابية.
كذلك تشوه أفكار طرق تربية الإناث والذكور لدى البعض ينتج عنه تبعات سلبية كثيرة، أهمها: التفريق بين الأطفال بحجة اختلاف الكروموسومات، تقييد طرف بأعمال طرف ثانٍ دون مبرر واضح، تنشئة الذكور بعيدًا عن العاطفة والتعبير عن مشاعرهم، تربية الإناث على رؤية أنفسهن من خلال المجتمع.
وعلينا طرح مفاهيم أكثر في كون الطفل ليس مشروعًا لأحلام الوالدين غير المنجزة، تقديس صورة الوالدين على حقوق الطفل ذاته، التربية على الطاعة العمياء دون الحوار والتفكير، تفضيل الاهتمامات الاجتماعية على استقرار الأسرة، تقديس الإنجاب كواجب اجتماعي مُجَرد من مسؤوليات كثيرة.
من هنا، فإن حديثنا عن “رخصة الإنجاب” لايقتصر في كونهِ دعوة إلى قانون يمنع الناس من الإنجاب أو يمنح الغير حق تقرير من يستحق أن يصبح والدًا أو والدة، لكن ببساطة دعوة مُلحة في تغيير أفكارنا المشوهة. فكما نستعد للجامعة والعمل والزواج، ينبغي أن نستعد أيضًا للأبوة والأمومة، وأن ندرك أن الجاهزية النفسية والتربوية لا تقل أهمية عن الجاهزية المادية.
طِفلك لا يختار أن يأتي إلى هذا العالم، لكنك أنت من أخترت أن تستقبلهُ.



تستحق التصفيق على هذا المقال الجميل
مقال رائع بما تعنيه الكلمة